المتنبي


ولد أبو الطيب أحمد بن الحسين الجعفي بالكوفة في محلة يقال لها كندة سنة 303هـ - 915م. نسب إلى قبيلة كندة نتيجة لولادته بحي تلك القبيلة في الكوفة. كان شاعراً مفلقاً شديد العارضة راجح العقل عظيم الذكاء. كان من أعظم شعراء العربية، وأكثرهم تمكناً من اللغة العربية وأعلمهم بقواعدها ومفرداتها، وله مكانة سامية لم تُتح مثلها لغيره من شعراء العربية. فيوصف بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، وظل شعره إلى اليوم مصدر إلهام ووحي للشعراء والأدباء. فنظم أول أشعاره وعمره 9 سنوات. قدم الشام في صباه واشتغل في فنون الأدب ولقي في رحلته كثيراً من أئمة العلم فتخرج عليهم وأخذ عنهم. وكان من المطلعين على أوابد اللغة وشواردها حتى إنه لم يُسأل عن شيء إلا استشهد له بكلام العرب من النظم والنثر. لحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان، وكان ذلك سنة سبعة وثلاثين وثلاث مئة 948م فمدحه فأحبه وقربه وأجازه الجوائز السنية وأجرى عليه كل سنة ثلاثة آلاف دينار خلا ما كان يهبه من الإقطاعات والخلع والهدايا المتفرقة. وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته فوقع بين المتنبي وابن خالويه كلام فوثب ابن خالويه على المتنبي وضرب وجهه بمفتاح كان بيده فشجه. وكان سيف الدولة حاضراً فلم يدافع عن أبي الطيب فخرج مغضبًا ودمه يسيل وكان ذلك سبباً لمغادرته حلب سنة 346هـ - 957م فسار إلى دمشق وألقى فيها عصاه ولم ينظم هناك قصيدة إلا عرض بها بمدح سيف الدولة لكثرة محبته له. ثم ذهب إلى مصر ومدح كافوراً الإخشيدي وفي نفسه مطامع، ولما لم يُنله كافور رغائبه غادر مصر وهجاه بعدة قصائد مشهورة. وبعد أن غادر مصر ذهب إلى بغداد فبلاد فارس ثم مر بارجان فشيراز ومدح عضد الدولة بن بويه فأجزل عطيته. ثم انصرف من عنده راجعاً إلى بغداد فالكوفة وذلك في أوائل شعبان سنة 354هـ - فبراير 965م فعرض له فاتك ابن أبي جهل الأسدي في الطريق فاقتتلوا حتى قتل المتنبي مع ولده مُحَسد و غلامه مفلح على مقربة من دير العاقول في الجانب الغربي من سواد بغداد وكان مقتله في 28 رمضان سنة 354هـ - 27 سبتمبر سنة 965م. أما سبب قتله فقيل هو تلك القصيدة التي هجا بها ضبة بن يزيد العيني وكانت والدة ضبة شقيقة فاتك المذكور. فلما بلغته القصيدة أخذ العضب منه كل مأخذ وأضمر السوء لأبي الطيب. ولما بلغه مغادرة المتنبي لبلاد فارس وعلم اجتيازه بجبل دير العاقول تتبع أثره. وكان أبو الطيب قد مر بأبي نصر فأطلعه على حقيقة الأمر وما ينويه فاتك من الشر له ونصحه بأن يصحب معه من يستأنس به في الطريق. فلم يزدد إلا أنفة وعناداً وأبى أن يصحب معه أحداً قائلاً: أنا والجراز في عنقي، فما بي حاجة إلى مؤنس. ثم قال: والله لا أرضى أن يتحدث الناس بأنني سرت في خفارة غير سيفي. فحذره أبو النصر كثيراً فما كان منه إلا أن أجاب: أبنجو الطير تخوفي ومن عبيد العصا تخاف علي؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطىء الفرات وبنو أسد معطشون لخمس، وقد نظروا الماء كبطون الحيات، ما جسر لهم خف ولا ظلف أن يرده، معاذ الله أن أشغل فكري بهم لحظة عين. فقال له أبو النصر: قل إن شاء الله. فقال: هي كلمة مقولة لا تدفع مقضبا ولا تستجلب آتياً ثم ركب وسار فلقيه فاتك في الطريق فقتله.